الشعر تاريخيًا: الشعر المقفى خاصية من خصائص العرب، والعرب مشهورة فيه، وتظهر قصة العرب مع الشعر، كما يشار إلى أن الأفوه الأودي، يوصف بأول من قصد القصائد، وهو صلاة بن عمرو بن مالك بن عوف بن الحارث، وتحدد تاريخ وفاته بسنة 560 للميلاد، إلا أن بعض مؤرخي الأدب العربي المعاصرين، كالدكتور عمر فروخ، في مصنفه الكبير (تاريخ الأدب العربي) ينقل تشكيكاً بشعر الأفوه، نظرًا لشهرته وتقدّمه على غيره
ومن شعراء الجاهلية الذين أشير إليهم بأنهم (أول) من قصد القصائد، أيضا، ابن حذام، وهو شاعر مجهول الأثر، حسب طبقات ابن سلام الذي قال إنه لم يعرف له سوى بيت شعري واحد
الشعر كمفهوم: ارتبط الشعر بالعرب ارتباطًا وثيقًا، وأصبح منصتهم الإعلامية المهمة، فلا يمكن أن يسترعي ذهن العربي شيء كالشعر وجزالته، و لشعر أبعاد ثقافية، فالشعر له بعد معنوي ومادي
1- البعد المعنوي: الشعر وسيلة من وسائل الترف والرُقي في الكلام، وفيه دلالة عل الاقتدار بالتصرف في التعبير، من تحسين قبيح، وتقبيح حسن، ورفع وضيع، ووضع رفيع، لذلك كان يخشى من سطوة الشاعر ولسانه، فكان الشعر مادة قوية عند العرب، وأثره شديد، فربما تقوم حرب بسبب قصيد، ويتجدد الأحقاد به، وكان له أثر عنيف في التصرف بنفوسهم، فربما يجبن الفارس حتى يتذكر شاهدًا شعريًا فيثبت.
2- البعد المادي: يتجاوز الشعر أثره بالنفس حتى يتحقق ماديا، ويكون لوجوده أثر، والشعر كان متكسب عند كثير من الشعراء، وربما يكون مصدر دخل أحدهم فقط من الشعر، فمدح السلاطين والأمراء والكرماء، ووضع الجوائز للشعراء كان مظهرا من مظاهر التعزيز له
الشعر في الحجاز: من المستقر أن الشعر في الغالب حجازيّ النشأ، ثم حضنته بعد ذلك نجد، لطبيعة النزوح من قبائل الحجاز، وممكن أن نلمح إلماحًا سريعًا، في الفرق بين أغراض الشعر الحجازي، والنجدي، فالشعر في الحجاز ترف، وأغراضه تنصب حول نقل الأحداث، والغزل، والتكسب منه، لكنه في نجد كانت حاجة، وضرورة، فكان استعماله في الحروب وأحداثها، أما عن سبب براعة أهل الحجاز في الشعر، فيعود لأسباب، منها كون الحجاز محط الإلتقاء، والتجارة، فكان من أهم الأسواق عند العرب "سوق عكاظ" وكثرة توافي العرب له، وجموعهم فيه، أسهم في نضوج الفن البياني، وجعل له نصيبًا وافرًا، مما أعطى لأبناء البيئة تولع شديد بالشعر، وعناية فائقة بتجويدة، ورصفّه، حتى أثقفوه، والخطابة كانت بمكان كذلك، لكن الشعر لسهولة حفظة وسيّره في البلدان، كان محط عنايتهم، وكان كذلك وسيلة تعبير عنيفة، ينفثوا ماحشرج في صدورهم به، فكان ممتزج بين "منصة إعلام، ووسيلة تعبير" كذلك كان العرب يستقون تعاليمهم منه، وهو مخصوص "بالشعراء الحكماء" فهؤلاء فلاسفة العرب، وكذلك إلتقاءهم في مواسم الحج، فكان قدسية البيت، جامعًا لحشود العرب، وفيه يتناقلون الأخبار، وكانت تجارة قريش، وكثرة تعاملهم مع العرب، سببًا في معرفتهم بأساليب الكلام وفنونه، وهذه كأسباب ومقدمة تاريخيّة لطبيعة النشأه، وتفسير لها، بها تفهم قرب قبيلة عتيبة من كل هذه الظروف، فعتيبة قبيلة حجازية، والأسباب التي تدفعها نحو قول الشعر قديمة قِدم تكوّنها، بعد لك نقدم مقدمة ثم تفسير لكثرة وجود الشعراء فيهم.
فصاحة بني سعد تاريخيًا: من المتفق عليه أن للأنساب تأثير على الأعقاب؛ كما دلّ علم التشريح وهو دراسة التركيب الجسدي، وعلم النفس، وعلم الأخلاق، وعلم الاجتماع، على تأثير الدم والسلالات في أخلاق الأجيال وصلاحياتها ومواهبها وطاقاتها، إلى حد معين وفي أكثر الأحوال إذا لم نتنزل للكل ترفعًا، وبني سعد القبيلة الهوازنية التي ترجع فيها عتيبة، اشتهرت قديمًا بالفصاحة، والفصاحة صنو "الشعر" والمرويات التاريخية طافحة بذكر ذلك، يذكر مختصرًا هذا الرافعي إذ يقول ( وأفصح القبائل الذين هم مادة اللغة فيما نص عليه الرواة: قيس، وتميم، وأسد، والعجز من هوازن الذين يقال لهم عليا هوازن وهم خمس قبائل أو أربع، منها: سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف. قال أبو عبيدة: وأحسب أفصح هؤلاء بني سعد بن بكر، وذلك لقول رسول الله ﷺ: «أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، وأني نشأت في بني سعد بن بكر.» — وكان مسترضعًا فيهم — وهم أيضًا الذين يقول فيهم أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عُليا هوازن وسُفلى تميم ) بذلك تجد أن الفصاحة القديمة، لها أثر بارز في تكوين القبيلة شعريًا، على أسباب أخر نضيفها، جاعلين منها علل واضحة وبينة في الانتشار الشعري فيهم، مقارنين بذلك بينهم وبين بقية القبائل الأخرى، لكن قبل ذلك نعرّج بذكر بداية الشعر العامي، وظهوره على أيدي قبائل هوازن العامرية، أو الهلالية.
الشعر العاميّ بدايته: يقال إن الشعر العامي بدأ محاولة النظم به على أيدِ قبيلة بني هلال، بعام ٤٥٠ هـ، وهم قبيلة من قبائل هوازن، هذا حسب ماقاله الشيخ، عبدالله الخميس والعامية، لغة قديمة يقال أنها مع الفصحى، ويعبّر عنها أحد الباحثين بتعبيرٍ أدق يقول فيه ( العامية لغة لم تدوّن )، إلا أن بداية الشعر به يرجعه معظم الباحثيين إلى بني هلال، إلا أنه لم يُدعم بدليل كقاطع، وفي القرن السابع، يذكر العلامة الصفدي قصيدة من بحر "الدوبليت" وهي قصيدة العامية، وهو أقدم ماوصل إلينا، وبحسب رأي الشيخ ابن عقيل الظاهري أن أقدم ماحفظ، هي أبيات تنسب إلى أم عرار بن شهوان، تمدح ابنها، ويذكر الأستاذ عبد الله بن حاتم؛ أن عرار توفي سنة ٨٥٠ هـ، فبني هلال مشكك بنسبة القصائد التي تنسب إليهم ويشكك كذلك بوجود شخصيات من القصة، كأبو زيد ومن ذكر معه، فلا يبقى خيار إلا قصيدة الصفدي، وهو متوفى سنة ٧٦٤هـ، إلا أن الواقع يضاد ذلك، فالقبائل القيسية من أكثر القبائل التي تقول الشعر العامي، ولعله يؤكد قول الخميس، بإثباته لشعر الهلالي، فهم الورثاء الشرعيون له، وطبيعة الانتشار تؤكد ذلك
التفسير المباشر:
في العصر الحالي ومن ٢٥٠ سنة تقريبا، كان أكثر الشعراء من قبيلة عتيبة، وأبرز الأسباب التي ساهمت بكثرة وجود الشعراء فيهم "المحدار"
قصة المحدار: في عام ١٢٦٨هـ ، بدأت نوايا النزول إلى نجد، بسبب قلة المرعى في أرضهم بالحجاز، ثم عزم الشيخ تركي بن حميد على النزول سلمًا، فكان النزول الفعلي بعام ١٢٦٩ هـ، إبان وصل الشيخ تركي للشيخ ابن قرملة، للاستئذان للمرعى، إلا أن الشيخ محمد بن هادي بن قرملة رفض الأذن لهم وهم في نجد، فأمر الشيخ تركي أن يعود للحجاز ويطلب الأذن، إلا أن الشيخ تركي رفض طلبه، ورأه طلبًا تعسفيًا، فما كان منه إلا الحرب.
نتائج النزول إلى نجد: لما ذكرنا أن عتيبة اضطّرت للمحدار حربًا، هنا يتحول هذا الصدام والأحداث التالية في نجد، إلى أن يكون "الشعر" ضرورة، وفي تحوله لضرورة، إسهام بارز، في كثرة تواجد الشعراء فيهم.
الشعر كحاجة: أبرز المعالم التي تضطر الإنسان لقول الشعر، أن يتحول من كونه فن، إلى ضرورة معيشية، والضرورة منها حاجة القبيلة لتخليد مجدها، فأمجاد القبيلة المتعددة، من كرم وشجاعة وفزعة، ووقائع عدة تدخل ضمن معاني المجد، تضطر القبيلة لتقييدها، ولا يكون شيء مقيّد لها إلا الشعر، وقريب من هذا يقول أبو تمام:
من أجلِ هذا كانتِ العرب الأُلى
يدعون هذا سؤددًا مجدودا
وتَنِدُّ بهم العُلى إلا علا
جعلت لها مِرَرَ القريض قيودا
فالسؤدد المجدود، أي المقطوع هي المآثر التي ليس فيها شاهد شعري يُخلد، ففكرة التخليد عند القبيلة تكون لكثرة أمجادها وعظم شأنها، وقوة بلائها، فهذه المآثر قيدها الشعر، كذلك المشاهد القوية والمتعددة للقبيلة، وتنقلاتها من حاضرة إلى بادية، وعتيبة بالحجاز كانت قبيلة حضرية، اضطّرت لأسباب من أجل المرعى النزول لنجد، وهذا التحول البدوي، جعلهم في صدامات متعددة، بين مآسي ومفاخر وغيرها، وكثرة هذه التحولات ينتج عاطفة خصبة متفجرة شعريًا، وهذه العوامل كلها جعلت أبناء القبيلة لايروي غليلها إلا السماع للشعر وقوله، ويشجعون من يحفظ القصيد الذي يلخد مآثرهم، ويشجعون على تقوّله كذلك، فكثرة هذه الأسباب وتواردها عليهم جعلت منهم قبيلة شاعرية، أضف لذلك كثرة عددها، فوجود كل هذه العوامل في هذه القبيلة كثيرة الأبناء يبرز أسماء شاعرية متعددة
الإقليم: الإقليم له تأثيره، وكما سبق ذكره بالمقدمة، وعلاقة الشعر بالحجاز، نزيد فنقول؛ الحجاز ونجد، من أشهر المناطق سكانيها مولعون بالشعر، قوله وحفظه، وعتيبة من القبائل الحجازية النجدية، وهذه البيئة الحاضنة لهذه القبيلة من أكبر العوامل المؤثرة على صناعة الشعر، فالارتباط الشعري قديمًا بين نجد والحجاز، والنسيم النجدي، الذي يهيّج القرائح ويعين على قول الشعر، كان دوره جاهلي قديم، فامتداده ظاهرة طبيعية
بداوة القبيلة: قول الشعر له علاقة ظاهرة بالبداوة، وليست مخصوصة بهم، لكنها عامل مهم في تكوينه، فالطبيعة تجبره على النطق بالشعر، وكثرة المشاهد الطبيعية التي يشاهدها في البادية، مشاهد عجيبة، يودّ تقييدها بنظم القصيد، و الأديب طه حسين في كتابه "في الأدب الجاهلي" ، يذكر كثرة الشعراء المضريين، ثم بعد ذلك يوفق بين كون أكثر المضريين شعراء، وبين كونهم بادية، فيقول ( و من أن الشعراء الجاهليين عامة والمضريين خاصة كانوا أهل بادية يعيشون في الصحراء عيشة فيها شظف كثير وخشونة ظاهرة )
أدوار الشاعر العتيبي: القبيلة أولت اهتمام عالي بالشاعر، والفارس، والكريم، فالواقع كان يفرض عليهم العناية بهم، لشدة الحاجة، فالشاعر الذي يذب عن حرم القبيلة، ويضفي لهم مهابة، بسطوة “البيان” جاعلين منه منبرهم الإعلامي، وكل ماكانت القبيلة في صراع كلما ازدادت أهمية الشاعر عندهم، وكثر القائلون به عندهم، وعتيبة كانت من أكثر القبائل التي عاشت تحولات قوية، فتعتبر آخر قبيلة قبل قيام الدولة السعودية الثالثة، شهدت مناخات عدة، ثم انتهت المعارك وكانت عتيبة من أشد من تناوحت مع عدة قبائل إلى عهد قيام الدولة، وهذا من أبرز الأسباب التي تفسر كثرة الشعراء فيها، وكان من دور الشاعر العتيبي في هذا الواقع، عدّة:
1- الشعر كوسيلة للترسّل: كما سبق الذكر لكون عتيبة من القبائل المتسعة جغرافيًا، فالاحتكاكات المتنوعة، وحاجة التواصل مع زعماء القبائل المجاورة لها، ضرورة ملحة مرهونة فيه مستقبل القبيلة، والتواصل الشعري أوقع وأكثر تأثيرًا في النفس، وأكثر لضبط الكلام ونقله من الكلام المنثور، فاحتاجت القبيلة، لقول الشعر، مخاطبة فيه الزعماء والمشايخ، إما تهديد، وإما ترغيب، والتهديد بالكلام النثري لم يكن موقعه قوي في نفوس الأوائل، وخصوصًا أن التهديد بحاجة لأدلة، أدلة تذكر فيها القبيلة وقعها، بحيث أن السامع ينفعل نفسه بها، من بيانها، ومن صدق الأحداث فيها، فيرهب ويناول القبيلة مقصودها، أو يناقض القصيدة بقصيدة، فتكون من عيون "الشاهد التاريخي"، كما الرديات بين الشيخ تركي بن حميد ومحمد بن هادي بن قرمله
يقول فيها الشيخ تركي بن حميد:
جـانـا مــن الشـايـب مكـاتـيـب وعلوم …… حي الكـتـاب الـلـي لـفـا حشـمـة لـــه
الشـايـب الـلـي يـنـقـل الـكـبـر الزوم …… باغي لحكمـي مـيـر أنــا عـاصـي لــه
ويرد عليه الشيخ ابن قرمله:
مـا نشتحـن للحـرب والحـرب مفـهـوموي ….. ــا سـعـد مـنــا بالـلـقـا فـزعــة لـــه
ما خلقـة الدنيـا ولا النـاس فـي يـوم ……. والـلـي تمـنـى حربـنـا مضـحـي لـــه
2- الفخر: بعد الانتصار من المعركة، أو بسبب ذبحهم لشيخ، أو حمايتهم عن إبلهم واسترداد حقوقهم.
مثل قصيدة ضيف الله اللي يقول فيها:
يانجد والله مانزلناك بسلوم ….. ولا أنتِ بورث جدودنا من قدايم
لكن أخذنا في حقٍ ومقسوم …. وصفا جنابك عقب نطل العمايم
3- التبرير: كثرة الوقائع غالبًا مايكون في هزيمة، أو تواقف، أي أن الفريقين يتناصفا، ولا ينتصر أحد منهم، فيحتاج الشاعر أن يبرر سبب هذا التكافئ وعدم الانتصار كما حصل في معركة عروى، وفيه يقول الفارس ضيف الله العفار مبررًا عدم الانتصار:
لولا حسن نوخ بذربين الأيمان …… راحت عليكم يبو ماجد كسيرة
المقارنة مع سائر القبائل:
إذا كانت هذه أبرز الأسباب لكثرة الشعراء في هذه القبيلة، يبرز سؤال، مالعامل المختلف الذي جعل "عتيبة" القبيلة الوحيدة المستقلة بالوفرة الشعرية دون غيرها، ومن القبائل الحجازية مشهوره بقريض الشعر، وإن كانت الأسباب حربية فهناك قبائل حربية كثيرة؟
الجواب: أن الشعر قوله ليس بمحصور بقدر ماهو متوافق مع القبيلة بنفسها، بمعنى أن عتيبة قبيلة تحقق فيها شرط "الإقليم" وهو شاعريّ، والشعر فيه فنّ، والإقليم المتحوّل له شاعريّ كذلك "نجد" وهو ضرورة، تجد أن الشعر بين كونه فنًا، وضرورة متحققه شروطها في هذه القبيلة، ثم الانحدار الأخير، الذي وافق صراعات أخيرة قبل قيام الدولة السعودية الثالثة أدى إلى جعل الشعر من وسائل "ثبات القبيلة" في هذا الإقليم كثير التصارع فنجد، بخلاف الحجاز، إقليم يقوم على شروط البقاء والصراع والحركة والتحالفات القبلية الحادة، ما جعل الشعر يتحول من كونه فنًا جماليًا إلى أداة وظيفية ضرورية؛ تُستخدم في تثبيت الهوية، والتحشيد، وحفظ الأمجاد، وإعلان المواقف السياسية والعسكرية.
وهنا تبرز خصوصية عتيبة؛ فهي قبيلة جمعت بين الإرث الحجازي الذي يمنح الشعر بعده الفني، وبين الإقامة الطويلة في نجد التي منحت الشعر بعده الوظيفي والضروري. أي أن الشعر عندها لم يبقِ ترفًا ثقافيًا، ولم يتحول إلى خطاب حربي جاف، بل احتفظ بالشقين معًا: الجمالي والضروري.
الثاني: إضافة إلى هذا العامل، هناك عامل متميز قديمًا في بني سعد، هي "الفصاحة" وكما سبق كلام الرافعي وذكر المرويات التاريخية، نضيف هنا رواية أخرى وهي، أن أبا طالب لاعب النبي ﷺ، فقال ( فيك حلاوة يثرب، وبهاء قريش، وفصاحة بني سعد ) فنجد شهرة بني سعد بالفصاحة، تاريخية وهذه الأوصاف الظاهرة كلها، تحتم علينا نتيجة واحدة "كثرة الوجود الشعري، وعدد الشعراء"
الثالث: عدد القبيلة، عتيبة قبائل كبيرة العدد، وكثرة العدد تستلزم كثرة في الفرسان، في الشعراء، وفي مجالات مختلفة، فالعدد هنا عامل قوي، مع هذه العوامل السابقة، فنلاحظ أن قبيلة تحققت فيها جميع الدواعي لقول الشعر، تاريخيًا وجغرافيًا، وفنًا، وضرورةً، لا تنتج إلا عدد كبير من الشعراء، مع مزامنة العدد الكبير لكثرة عددهم أصلا، وإليك جدول أعداد القبائل، حسب مانقله د. عبد الفتاح أبو علية:
القبيلة - عدد أفرادها
العجمان: ٦,٠٠٠
بنو هاجر: ٤,٥٠٠
بنو خالد: ٣,٠٠٠
مطير: ٦,٠٠٠
عتيبة: ١٢,٠٠٠
دواسر: ٥,٠٠٠
سبيع: ٣,٠٠٠
قحطان: ٦,٠٠٠
حرب: ١٤,٠٠٠
عنزة: ٣,٠٠٠
آل مرة: ١٤,٠٠٠
عائلات متفرقة: ١٠,٠٠٠
شمر: ٨,٠٠٠
الشرارات: ٤,٠٠٠
الحويطات: ٢,٠٠٠
بنو عطية: ٦,٠٠٠
معاز: ٤,٠٠٠
طي: ٨,٠٠٠ (١)
(١) أخذت هذه المعلومات عن: Palgrave, op. cit., vol. 2, pp. 84-86
لتاريخ: ١٢٥٦هـ - ١٣٠٩هـ / ١٨٤٠م - ١٨٩١م
المقارنة بين القبائل الحجازية الممتدّة إلى نجد على وجه الخصوص:
الناظر في جغرافيا شبه الجزيرة، يلحظ وجود عدة قبائل حجازية نجدية، مثل "حرب، ومطير" فيبقى هذا التحليل غير كامل - أعني كون عتيبة حجازية نجدية- لكن هناك فرقات وعوامل تحققت بعتيبة فارقت سواها، أبرزها؛
1- حجازية المدينة وما حولها: المشتهر بفصاحة أهل الحجاز وعنايتهم بتثقيف الشعر وتقويمه، هي قبائل مكة والطائف وأطرافها، فالتميز حصل بهم أكثر، وقبائل حجاز الأخرى لهم عناية لكن لم يكن بهذا القدر عند أهل مكة والطائف
2- التنافس الداخلي:
عتيبة تتسم بكثرة العدد، واتساع مواطنها وهذا يخول كل "بطن، وفخذ" إلى نشؤ خلاف ناعم بينهما، وربما يتحول إلى خلاف حقيقي بين أفراد القبيلة، فكل "بطن" يحاول إثبات وقائع ربعه، ويذب عنهم، ويستخدمها كمنصة إعلامية داخلية وخارجية، وهذا الفعل جعل عتيبة تتنافس فيما بينها بقول "الشعر"، والتنافس الداخلي له صور كثيرة قد يستغلها الشاعر، منها؛
أ- التكسب بمدح بعض البطون الأخرى: لما تعيش القبيلة بتنافس قلق وصامت في آن، وتكون في حالة من المقارنة بين أقسام القبيلة الأخرى، مما يدفع بعض الشيوخ- شيخ الفخذ- إلى كسب مال وفير للعطاء، وهذا المال كان صور كسبه الحرب، فيضطر للغزو، ليعطي ويذاع صيته، ويستغل الشاعر هذا الأمر فيمتدح شيخ فخذ آخر ويعطيه، ويذهب شاعر آخر لشيخ آخر، وهكذا فتكون المعادلة مقرونة بضرورة الحرب لكسب المال لإنفاقه، فكأنه دعم إعلامي لصورته
ب- الانتخاء: لما يتعرض فخذ للغزو، يرسل الشيخ مرسول يقال له "مطراش" ومطراش الحرب هذا غالبًا مايزهم ربعه، وينتخي بهم، ويكون محمل رسالة، وغالبًا تكون "قصيدة" ينتخي فيها للبطون الأخرى، وهذا أقوى محفزات الاستجابة ، وبها يقنص شيخ الفخذ الأخر في ظل المقارنة الصامتة، مجدًا شامخًا، فيستجيب أعنف استجابة، والاستجابة هذه مخلّده لأنها تكون، قصيدة يزهم بها وينتخي فيها، فيسهل حفظها وتداولها، ويدرك شيخ الفخذ الأخر أن فزعته لاتنسى، لأنها مخلدة بشاهد شعري، وربما يجعل أحد من ربعه أو الشيخ بنفسه، يذكر أنه استجاب لهم واحتماهم لما قصدوه، هنا أدركت الفخوذ ضرورة الشعر بكل أطيافه، بكونه: حفظًا لمجد، ووسيلة تكسب، وإثبات في ظل المقارنة الصامتة، وترسل فيما بينهم، وهذه عوامل دقيقة بينت علة اختصاص عتيبة من بين سائر القبائل الحجازية النجدية الأخرى
خاتمة الدراسة والاستنتاجات:
كل هذه الأسباب، وهذه العوامل، سببًا في كثرة شعراء قبيلة عتيبة، ونقول هم "الأكثر" ولا يعني هذا أنهم "الأفضل" فربما شاعر واحد يوازي عشرة منهم، ولنستنج خلاصة ماهي هذه الأوراق، فنقول أن عتيبة كيان قبلي له امتداده، وله منظومته، وهذا الكيان كان الشعر عامل رئيسي في الحفاظ عليه، والأسباب التي اضطرتهم للقول للحفاظ على هذا الكيان عدة نقاط:
1- التحول الإقليمي: من بيئة شاعرية "الحجاز"، إلى ببيئة شاعرية "نجد".
2- المعارك: الحرب تجعل القبيلة مفتقرة لقول الشعر.
3- المراسلات: امتداد القبيلة، يجعلها بحاجة للمراسلات، فنجد كان يقطنها ثلاث إمارات؛ آل سعود، آل رشيد، آل مهنا، غير القبائل المجاورة، فهذه وحدها تكفي لأن يتحول الشعر للغة رسمية بينهم.
4- الفصاحة التاريخية: لكون سعد بن بكر كما مر بنا من أفصح قبائل العرب
5- الكم العددي للقبيلة.
ثبت المراجع:
1- تاريخ الأدب العربي، لعمر فروخ
2- طبقات فحول الشعراء، لابن سلام
3- التعريفات، للجرجاني
4- ديوان الشعر العامي، لابن عقيل ص 61، ج1
5- الأدب الشعبي، عبد الله الخميس ص 53
6- خيار مايلتقط، عبد الله بن حاتم 199/1
7- الأزهار النادية
8- الأدب الجاهلي، لطه حسين
9- تاريخ الدولة السعودية الثانية، د. عبد الفتاح حسن أبو علية
10- تاريخ آداب العرب، مصطفى صادق الرافعي